على هامش أحداث غزة (3): اشكالية الخطاب الفلسطيني-العربي

قرأت تدوينة للأخ Syriangavroche في ثلاثاءاته حفزتني على كتابة تعليق سريع استطال دون قصد مني، فوجدت من الملائم وضعه في تدوينة منفصلة خصوصا ان فكرة التعليق كنت بصدد الكتابة عنها.

وقد كان تعليقي على هذا الاقتباس من الصباح (21):

يصعب عليَ فهم تصريحات حسني مبارك و غيره من منتقدي المقاومة الفلسطينية التي تتهم حماس بأنها تختصر القضية الفلسطينية كلّها في مسألة المعابر, و صعوبة الفهم تزداد بنسبة كبيرة عندما أرى من يوافق على هذه النظرية من “الليبراليين العرب” الذين يتّهمون بدورهم من يرفض هذه النظرية بانعدام الموضوعية.

معنى الكلام: يا أيها الفلسطيني الغزّي لماذا تصرّ على فتح المعابر؟ لماذا ترفض أن تبقى حبيساً؟ ألم تسمع أن السجن للرجال و “يا ظلام السجن خيّم”؟

لماذا تريد أن تأكل؟ لماذا تريد أن تشرب؟

لماذا تريد أدوية لأطفالك؟ لماذا تريد وقوداً لتدفئة منزلك؟

لماذا تريد سلعاً تجاريّة؟

لماذا تستمع لبكاء أولادك لأنهم لا يملكون أقلاماً و دفاتر لكي يتعلموا؟ اصنع لهم ورق البردي على طريقة الفراعنة و ليكتبوا بفحم أثاث بيتك المحترق “ياراجل”!!!

“بالمشرمحي”… لماذا تريد أن تعيش كباقي البشر؟ من خدعك و أخبرك أنك تمتلك هذا الحق؟

سلامات . . بالنسبة لصباحك الثلاثائي، بغض النظر عن تصريحات حسني وغيره لكن بالفعل من خلال الحرب الأخيرة ومجمل تصريحات الدعم أو النقد التي هطلت على فلسطين – غزة بالتوازي مع صورايخ اسرائيل، تم تكريس تقسيم المقسم وأصبح الحديث يدور عن تجليات وأعراض المرض وليس أصل المرض (انت دكتور وأخبر مني بهذا الأمر).

فلم يكن هناك ذكر لفلسطين كقضية وانما غزة وغزة فقط (طبعا هذا الأمر جاء كسياق طبيعي لحالة الانقسام الفلسطيني أولا والهجوم الإسرائيلي المحدد على غزة ثانيا) لكن هذا سيؤدي بشكل تلقائي ولا واعي الى اختفاء اللوحة الأم (فلسطين) على حساب ظهور الفروع (غزة، الضفة . . الخ)

بمعنى آخر، استمرار هذا الخطاب اللاواعي بما سيفضي إليه سيؤدي بعد فترة الى اختفاء فلسطين من الوعي الجمعي ويحل محلها قضية غزة وقضية الضفة وقضية أي مدينة فلسطينية أخرى.

أيضا هناك تركيز ومطالبة من قبل حماس وعموم المناصرين لقضية الشعب الفلسطيني بعدة مطالب لا تمس لب المشكلة بتاتا وتتمثل بوقف العدوان والانسحاب الكامل وغير المشروط من غزة وفتح المعابر للحصول على حياة طبيعية على الأقل بالحد المقبول.

جميل جدا . . كل هذه المطالب مطالب عادلة ويجب ان تحقق لكنها من جهة أخرى جراء طريقة المطالبة وعزل هذه المشاكل عن سياقها وعن الإطار الواجب وضعه فيها نتيجة التركيز عليها كضرورة آنية مستعجلة ستشتت أو شتت الانتباه عن المشكلة الحقيقية ألا وهي الإحتلال.

وكما قال كُثر قبلي ان وسائل الإعلام والجهات الرسمية العربية وغيرها تتدوال القضية على أنها قضية اعتداء ومعابر وحصار لا إنساني (قضية غزة قضية انسانية) متناسين أن القضية بأصلها هي قضية احتلال وشعب لا دولة له، وأن كل هذه المشاكل ما هي إلا أعراض للمشكلة ليس إلا.

بمراجعة سريعة لما ورد في الإقتباس من مطالب (عادلة) سنجدها بطريقة ما تجعل من القضية قضية انسانية وهذا انحراف خطير لمسار القضية الفلسطينية يضاف الى كم الإنحرافات التي تعرضت لها في السابق.

المفروض أي حديث عن أي أزمة وعن أي مطلب فلسطيني، يجب ان يتم ضمن إطار الحديث عن احتلال قائم سيفرز مشاكل وازمات لا حصر لها مالم يوضع حد نهائي وثابت له على الأقل في الأمد المنظور ريثما يستفيق العرب لاسترداد الأراضي والحقوق كاملة.

بالمختصر: مسؤولية الجميع تتركز بالحديث عن الاحتلال أولا وعن ما يفرزه من مشاكل ثانيا.

مواضيع ذات صلة:

على هامش أحداث غزة (1): المصالحة العربية.

على هامش أحداث غزة (2): مشايخ السلطان إصدار جديد.

تخبيص حماس.

غزة.

~ بواسطة عبد السلام إسماعيل في 2009/01/27.

5 تعليقات to “على هامش أحداث غزة (3): اشكالية الخطاب الفلسطيني-العربي”

  1. تحياتي الحارّة

    قبل كل شيء شكراً جزيلاً للاهتمام بما أكتب يا صديقي

    بخصوص المعابر, أتفهّم قصدك تماماً, و أتفهمه لأنه يخرج من قبل مواطن و ليس من قبل رئيس دولة معنية بشؤون هذا المعبر.

    صديقي لنترك الاعتبارات السياسية جانباً و لنتحدّث قليلاً عن الحالة الإنسانية: قطاع غزّة هو عبارة عن سجن, له حدود مع أراضي الـ 48 المحتلة, و بالتالي مغلقة و مختومة بالشمع الأسود, و له حدود مع مصر العربية (هكذا اسمها الرسمي, ندخَل على الله, على رأي نسوة الجزيرة السورية) و تطل على البحر, المراقب تماماً من قبل البحرية الصهيونية.

    قطاع غزّة بحجم بلديتين من بلديات ريف دمشق و يعيش فيه أكثر من مليون و نصف مواطن بكثافة سكانية عالية جداً, لا يوجد مزارع تقريباً و لا يوجد شيء, و بالتالي يعتمد سكان القطاع تماماً على ما يأتي من الخارج, و لذلك لو بقي المعبر مغلقاً لما وجدوا ما يأكلوه.. يعيشون الآن على تهريب الأنفاق (هناك صورة وردت في الصحافة الاسبانية أمس عن تهريب خرفان عن طريق الأنفاق) و مصر تعهّدت بمكافحة التهريب و بالتالي ستخنق هذه الأنفاق, مما يعني موتاً محتوماً بالجوع خلال أسابيع و أزمة إنسانية أكبر من الحالية (و الحالية كبيرة بما فيه الكفاية) إن لم يتم فتح المعابر.

    كل هذا الحديث فقط عن الغذاء, قس على ذلك الأدوية و الوقود و جميع المواد اللازمة لحياة إنسانية كريمة بالحد الأدنى.

    جميع هذه الأمور طارئة جداً, و أتفهم تماماً مطالبة حماس بفتح المعبر ليس كورقة مقايضة سياسية لأن حق الحياة هو أدنى ما يجب أن يتوفّر.. نعم نجلس و نتفاوض و لكن ليس باستغلال أننا نموت من جوعنا و سيضغط علينا هذا الأمر كي نقبل أي حل مهما كان.

    إنها لعبة دنيئة من إسرائيل تتناسب و دناءة تاريخها, غزّة بدون معابر تموت من الجوع.. و للأسف فالقضية لا تؤكل و لا تنفع لإطعام طفل

    عذراً للإطالة و تقبّل تحيتي

  2. كتتمة, و بالصيغة الطبية:

    هناك إلتهابات جرثومية تنتج عنها حرارات مرتفعة جداً قد تكون خطراُ على حياة الشخص, و طبعاً بزوال السبب يزول العرض, و لكن مفعول المضار الحيوي قد يستغرق ساعات, و لذلك علينا التصدي دوائيا لارتفاع الحرارة حتى لو كان هذا التصدي لا يحل المشكلة الأساسية لكنه يبقي الوضع تحت السيطرة حتى وصول الحل النهائي للمشكلة الأصل

  3. تحياتي وعذرا على تأخري بالرد لأسباب خارجة عن إرادتي . .

    بداية كلامك وحديثك لا غبار عليه مطلقا وانا متفق معك كليا من ناحية الوضع اللاإنساني وعن مدى الحاجة الملحة لتنفيذ هذه المطالب وانا منذ البداية لم يكن اعتراضي عليها ولم أقلل من اهميتها أبدا ولم أطالب بعدم المطالبة بها.

    وإنما كل ما قصدت قوله أن مجمل ما يحصل من تعاطي مع الأزمة جرى بطريقة فصل الأزمة عن سياقها والتركيز عليها كحالة مستقلة عن القضية ككل أولا

    ووضعها ضمن إطار انساني ثانيا وهذا فيه من التفريغ والتزييف للحقيقة والواقع الشيء الكثير.

    يعني لو تم تنفيذ هذه المطالب المحقة (أؤكد مرة أخرى) والضرورية ستعود الأمور الى مجراها السابق كمريض أخذ ابرة “الكورتيزون السحرية” او ابرة مخدر.

    طيب حماس تركز بالوقت الحالي على مطالب عاجلة نظرا لأنها على الأرض ترى ما يعانيه الشعب الفلسطيني في غزة وهذا قد يبرر لها خطابها ومطالبها التي فصلت بشكل ما قضية غزة عن قضية فلسطين فضلا عن التركيز على السياق الإنساني للأزمة . . لكن بقية الخطاب العربي الرسمي والشعبي وخلينا نركز على المناصرين او ما يعرفون بالممانعة، ما مبررهم؟!

    الحري بهم التنبه الى ما أشرت إليه، وان تفاعلهم “التجزيئي” للأزمة يضر بها ضررا شديدا على المدى الطويل. المفروض يشددوا على هذه المطالب الإنسانية مع وضع الأزمة كنتيجة لحالة الأحتلال، أي لفت نظر العالم أن الأزمة ليست حصار ومعابر واعتداء ستنتهي حالما تلبى هذه المطالب وانما هي أزمة احتلال مستمرة وقائمة ويجب ان يوضع لها حل.

    قد يظن البعض أن كلامي فيه شيء من القفز على واقع انظمتنا العربية العاجزة عن جبر اسرائيل على وضع صيغة حل عادلة.

    ولكن ما أقوله، على الأقل ابقاء هذه الحقيقة حية من خلال الحديث عنها.

    اسرائيل تدرك هذا الواقع جيدا وهي جعلت من غزة سجن كبير (بفضل مساعدة الفلسطينيين أنفسهم من خلال الانقسام والصراع الذي حدث بينهم) مغلق المنافذ (بدعوى حماية أمنها من الإرهاب ) لتترك منفذا وحيدا يطل على مصر جاعلة من غزة أزمة مصرية، في ظل معرفتها التامة ان النظام المصري لن يدعم الأخوان المسلمين في غزة(حماس) بل وسيعمل على اضعافهم وضربهم كرها بأخوان مصر.
    وبالفعل اسرائيل نجحت بمسعاها هذا نجاحا باهر، فمصر نالت الحصة الأكبر من الشجب والإدانة (أكثر من اسرائيل نفسها وهي تستحق طبعا) على اعتبار اننا لا نملك سواهما.

    تعقيبا على تعقيبك الطبي: أرجع وأقول صحيح كلامك وانا لم أعقب إلا لأن هبات النشامى العرب (دخيلنا الله مع نفضة زيق) كلها هبات آنية اسعافية بعد ان تحصل الكارثة والمريض ينازع على فراش الموت، ليبقى الحديث دائرا ومركزا على كيفية ابقاءه حيا هو ومعاناته.

    مع المودة.

  4. أكيد أخي الكريم, قلت لك في بداية تعقيبي أنني أتفهّم تماماً ما تقول, و لكنني تحدّثت ليس من منظور حماس التي لا أتفق معها لا ايديولوجياً و لا عملياتياً, و انما من منطق من له عيون داخل القطاع (أصدقاء يعيشون هناك و أهالي زملائي الدراسيين) الذين يعانون لإطعام أبنائهم كل يوم.

    و كذلك من منطق أنه لا يمكن قبول فتح المعابر كورقة مقايضة و انما يجب فرض ذلك دون قيد أو شرط, و بعدها نتحدّث… (هذا من منطق فلسطيني)

    أما من منطق عربي, فكلا المعسكرين (لا أحب دعوتهم كذلك لأنهم ليسا إلا مدرّجي جماهير) يساوم حسب مصالحه و منافعه, كما فعلوا على مرّ السنين و كما سوف يستمرون بالفعل و للأسف

    تحيّة

  5. افهم تماما ما عنيته ولنقل انني كتبت عن الجزء المكمل والضروري لما تفضلت به : )

    مع التحية.

التعليقات مغلقة.

 
%d مدونون معجبون بهذه: