تكملة نظرة في الفساد

استفاقت الشعوب العربية بعد عقود طويلة من الانحطاط واستطاعت تحرير أراضيها من المحتلين الذين أمعنوا في تقسيم المنطقة ونهب ثرواتها، لكنهم لم يرحلوا إلا بعد ان تركوا انظمة تابعة لهم تعمل على حماية ورعاية مصالحهم، وربط هذه البلدان بمعاهدات لا انفكاك منها.

لكن بعض النخب الشعبية استطاعت تحرير بلدانها كليا من الهيمنة الإستعمارية واستطاعت هذه النخب الواعية الوصول للسلطة وحكم بلادها. وبدأت بإصلاح ما تم إفساده لعقود طويلة، لكن كانت تغيب عنها الرؤية الواضحة والمنهج الصحيح للقيام بذلك. معتمدين على التجربة والخطأ.

انتظمت هذه النخب الثورية الساعية الى التغيير في تجمعات واحزاب سياسية، أفكارها العامة رائعة لكن نواتها ولبها لا ينتمي لهويتنا الحضارية الحقيقية بل كانت قائمة على اقتباسات من تجارب انسانية لا تصلح لإحداث التغيير المطلوب كونها نتاج تجربة شعوب وثقافة مختلفة عنا.

مع ذلك كانت جيدة نوعا ما للسير بالأمور نحو الأفضل، لكن الذي حدث ان النخب الثورية بدأت بتركيز السلطة بأيديها ظنا منها ان هذا يمكنها من تحقيق أهدافها، بالإضافة لغياب ثقافة تداول السلطة في تاريخنا خلا الفترة الأولى في صدر الإسلام ووقعت هذه النخب من جهة أخرى بالخطأ الذي حذر منه هتلر بقوله:

إن الحزب ذو الرسالة الإنقلابية يفقد طابعه الثوري يوم يزداد عدد أعضاءه زيادة غير طبيعية على إثر احرازه انتصارا حاسما، لأن الجبناء والأنانيين الذين يقفون من الحركة مووقف اللامبالاة وهي إبان الكفاح المرير، يتسابقون الى خطب ودها يوم انتصارها، فإذا فتحت لهم ذراعيها أمكنهم مع الأيام أن يحولوها عن أهدافها ليسخروها في خدمة مصالحهم الخاصة.

وهذا ما حصل فعلا، الشعب في هذه الأثناء كان يسعى لتأمين حياته واضعا كل ثقته بقياداته وبالشعارات الرائعة المرفوعة. لكن هذه القيادات خذلت شعوبها في تحقيق ما كان متوقعا منها، وبدأت بالعمل على توطيد حكمها بكافة الوسائل ضاربة بمصالح شعوبها عرض الحائط.

تم إعادة صياغة مفهوم ان الحاكم هو ظل الله على الأرض، بمفهوم الرجل الواحد، او القائد الضرورة الملهم المجسد لطموحات الشعب. ولما كان هذا المفهوم سيسقط بسهولة في الممارسة العملية، عمدت هذه النخب التي استبد بها الفساد من جديد الى نشر الفساد بين القوى الفاعلة والتي يمكن ان تشكل خطرا عليهم من خلال إغرائهم بالمناصب والمال ، ومن كان يمانع تتم تصفيته بدعوى الخيانة والعمالة للغرب او بغياب الحس الوطني على أقل تقدير.

ولضمان السيطرة على شعوبهم بعد ان سيطروا على الحكم، حدث شيء خطير وسابقة لم تحدث في تاريخنا كله. فسابقا كانت السلطة مستبدة وفاسدة وجراء هذا ينتقل الفساد الى الناس بشكل عفوي وطبيعي ولأسباب كثيرة متعلقة بقوانين حركة المجتمعات. لكن الذي حدث اليوم ان هذه السلطات عمدت الى تجويع الناس وسلبهم مقدراتهم ليبقوا منشغلين بلقمة العيش ولا يفكروا بغيرها ما يسهل مهمة قيادتهم كثيرا، كما يجعلها تفرح بأي شيء تعمله السلطة او تقدمه لهم بين الحين والآخر، وتصويره على انه انجاز تاريخي غير مسبوق ومكرمة من مكرمات القائد.

ليس هذا فحسب بل عمدوا الى نشر ثقافة الفساد الممنهجة جنبا الى جنب مع سياسة التجويع الممارسة. فانتشر الفساد وعمت الرشوة بين الناس حتى بات المرتشي واللص القدوة والمثال الواجب اتباعه. ضاربين بذلك المنظومة الأخلاقية لهذه الشعوب والتي كانت الضمانة الحقيقية للتغيير.

بهذه السياسة الجهنمية استطاعوا تدجين الناس وكم أفواههم وجعلهم يتغاضون عن الفظائع التي ترتكبها القيادات(لا نريد الحديث عن استخدام القوة)، فالجميع فاسد ولا يحق لأحد ان ينتقدهم وإلا فإنه سيستلم كتابه بشماله، وويل لأصحاب الشمال، وأصبحت الحكمة التي تعبر عن واقع الحال الجديد: من منكم بغير خطيئة فليرجمني بحجر.

بعد هذا السرد لتاريخي الطويل يخالجني شعور غريب ان الفساد يبدأ من السلطة الحاكمة. لا أدري ان كان ينتابكم هذا الإحساس ؟.

—–

مواضيع ذات صلة:

نظرة في الفساد.

مبارك يبيع مصر.

صراخ سوريا . . لي.

بلد الصمون والتصدي!

أهدافنا.

 

~ بواسطة عبد السلام إسماعيل في 2008/06/16.

التعليقات مغلقة.

 
%d مدونون معجبون بهذه: